Yalla Shoot | أخبار | كأس العالم

11 نوفمبر 2022 - 9:43 م

في أبريل 1981، احتفل لاعبو ريال مدريد بشكل صاخب بتتويجهم بالدوري الإسباني الإعجازي لعدة دقائق، ظنًا منهم أن منافسهم ريال سوسيداد قد خسر في أرض سبورتنج خيخون.

المعلومات الخاطئة لم توضح لأفراد ريال مدريد أن ريال سوسيداد تعادل في الثانية الأخيرة من مباراته وقفز إلى الصدارة بفارق المواجهات المباشرة.

ليشهد ملعب خوسيه زوريّا القديم، معقل بلد الوليد، واحدة من أغرب مشاهد كرة القدم، عندما انقلبت صرخات لاعبي ريال مدريد الاحتفالية، إلى صرخات أنين وبكاء في ظرف دقائق معدودات.

ظن البعض أن ذلك المشهد العجيب هو أغرب ما يمكن أن يمر على ملعب خوسيه زوريا المتواضع، لكن 14 شهرًا فقط ستمر قبل أن يعرف الملعب المشهد الأغرب على الإطلاق في تاريخ كؤوس العالم.

في 21 يونيو 1982، هبط الشيخ فهد الأحمد الجابر الصباح رئيس الاتحاد الكويتي لكرة القدم، وأجبر حكم مباراة بلاده أمام فرنسا على تغيير قراره، ثم قفل عائدًا إلى المقصورة.

تاريخ نضالي

فهد الأحمد، تاسع أبناء أحمد الجابر المبارك الصباح أمير دولة الكويت بين 1921 و1950، وشقيق جابر الأحمد الصباح أمير الكويت بين 1977 و2006.

وبالرغم من شهرته عبر المناصب الرياضية الرفيعة التي تقلدها، لكن فهد الأحمد تأسس على خلفية عسكرية.

التحق بالجيش الكويتي عام 1963 وتدرج وصولًا إلى رتبة ملازم أول، وتواجد ضمن لواء اليرموك الذي أرسلته دولة الكويت للحرب في مصر أمام الغزو الإسرائيلي عام 1967.

وكان فهد الأحمد عضوًا في منظمة التحرير الفلسطينية بين 1965 و1972،

من ساحات الحرب إلى الرياضة

لم تكن مقاومة فهد الأحمد للاحتلال الإسرائيلي عسكرية فحسب، بل استهدف قواها الناعمة أيضًا: كرة القدم.

فعندما انطلقت كأس آسيا عام 1956، كان منتخب إسرائيل واحدًا من كبار القارة بصفته عضوًا في الاتحاد الآسيوي لكرة القدم.

في النسخة الأولى، احتلت إسرائيل الوصافة، ثم كررت الإنجاز في ثاني نسخة عام 1960، قبل أن تستضيف نسخة 1964 وتفوز بلقبها.

الظهور الإسرائيلي البارز استمر في نسخة 1968 عندما احتل منتخب دولة الاحتلال المركز الثالث.

خلال تلك النسخ السابقة، لم يسجل العرب أي ظهور، وامتنعوا عن المشاركة بالكامل، بل انسحبوا من مواجهة إسرائيل كلما أوقعتهم القُرعة سويًا في تصفيات كأس العالم.

لكن الانسحاب لم يكن وسيلة المقاومة لسنوات طويلة، عندما قادت الكويت تحالفًا لعرب آسيا من أجل طرد إسرائيل من الاتحاد الآسيوي.

ولعب فهد الأحمد رئيس اللجنة الأولمبية الكويتية، وأحمد السعدون رئيس الاتحاد الكويتي لكرة القدم، دور البطولة في عملية التصويت على استبعاد إسرائيل من الاتحاد الآسيوي.

في النهاية، انتصر التحالف العربي بقيادة الكويت، وتم التصويت التاريخي في كوالالمبور على استبعاد إسرائيل.

قرارٌ لم يكن انتصارًا سياسيًا وشعبيًا فحسب، بل رياضيًا أيضًا بالدرجة الأولى لأن السنوات التالية ستشهد إنجازات عربية قارية لم تكن لتحدث لو استمر حضور إسرائيل وواصل العرب المقاطعة دون تحرك فعلي.

وبعد مرور نصف قرن تقريبًا، يظل فهد الأحمد الصباح صاحب فضل كبير في ذلك القرار التاريخي.

وانطلقت الكويت

خلال عِقد السبعينيات، امتلك الكويت طموحًا كرويًا جاوز عنان السماء، فأقدم فهد الأحمد على التعاقد مع البرازيلي مارياو زجالو لتدريب المنتخب عام 1976.

زاجالو بطل العالم 1958 كلاعب، و1970 كمدرب، أحدث ثورة كبيرة في مستوى المنتخب الكويتي خلال عامين، ثورة أكملها مواطنه كارلوس ألبيرتو بيريرا الذي سيحصد المونديال عام 1994.

وكان منتخب الكويت وحشًا إقليميًا فتاكًا، فحصد 5 من أول 6 نسخ لكأس الخليج بين 1970 و1982، واكتفى بالمركز الثاني في واحدة.

كما حل وصيفًا لـ كأس آسيا 1976، وتوج بلقب 1980، وسيفوز بالمركز الثالث في 1984.

أمّا الوصول إلى العالمية فبدأ في 1980 بالمشاركة في دورة الألعاب الأولمبية والوصول إلى ربع النهائي والخروج بصعوبة أمام الاتحاد السوفيتي صاحب الأرض.

جيل خارق بقيادة جاسم يعقوب وفيصل الدخيل وسعد الحوطي وأحمد الطرابلسي وعبد العزيز العنبري وعبد الله البلوشي، نجح في إكمال سلسلة نجاحاته بالوصول إلى نهائيات مونديال 1982.

مشوارٌ قاسٍ بدأ بالتأهل في الدور الأول عن مجموعة ضمت كوريا الجنوبية بفضل الفوز التاريخي 2-0 في ملعب محمد الحمد بالعاصمة الكويت.

يومها سجّل عبد العزيز العنبري هدفًا رائعًا بتسديدة قوية توقعها فهد الأحمد نفسه قبل المباراة.

المغامرة الكويتية استمرت في الدور الحاسم بالوقوع في مجموعة صعبة رفقة نيوزيلاندا والصين والمملكة العربية السعودية.

وفي أوكلاند، سخرت الجماهير النيوزيلاندية من ضيوفهم الخليجيين، ورفعوا لافتة كبيرة كُتِب عليها “Go back to your camels”.

فجاء الانتقام قاسيًا، وخطفت الكويت فوزًا ملحميًا في الثواني الأخيرة بهدف جاسم يعقوب.

بل صمم الكويتيون تميمة على هيئة جمل وأسموه “هيدو” ليكون رفيقهم في كأس العالم بعد ضمان التأهل رسميًا عقب التعادل 2-2 أمام نيوزيلاندا نفسها في 14 ديسمبر 1981.

في بلد الوليد

وقعت الكويت في مجموعة حديدية بكأس العالم 1982: إنجلترا، وفرنسا، وتشيكوسلوفاكيا قلّصوا للغاية من حظوظ الخليجيين في العبور إلى الدور الثاني بالمشاركة الأولى.

لكن، بعد عرض أول قوي وجريء أمام تشيكوسلوفاكيا -بطلة أوروبا قبل 6 سنوات لا أكثر- والخروج بالتعادل 1-1 بهدف فيصل الدخيل؛ ومع هزيمة فرنسا الثلاثية أمام إنجلترا في الجولة الأولى، رأى الكويتيون أن مباراة الديوك في الملعب.

بالطبع التوقعات كانت عالية، وعندما وصلت فرنسا بالنتيجة إلى 3-0 بحلول الدقيقة 48، عاد الكويتيون إلى أرض الواقع.

واقع لم يستمر طويلًا عندما عاد أبطال آسيا للصورة بهدف عبد الله البلوشي في الدقيقة 75.

الآن أنظار الكويت رمت نحو تقليص الفارق إلى هدف واحد وإشعال الدقائق الأخيرة.

دقائق قليلة قبل نهاية المباراة، تسلّم آلان جيريس لاعب وسط فرنسا الكرة في مكان خطير، وفجأة، انطلقت صافرة مجهولة المصدر سُمعَت بوضوح في أنحاء ملعب خوسيه زوريّا.

توقف لاعبو الكويت، نظروا إلى الحكم السوفيتي ميروسلاف ستوبار، فأشار لهم باستمرار اللعب ولسان حاله: “أنا بريء”.

جيريس لم يفكر مرتين، وأسكن الكرة في شباك الكويت مسجلًا الهدف الرابع لبلاده… وهنا انفجر الوضع.

احتج لاعبو الكويت بشدة على ستوبار، أكدوا لهم أنهم توقفوا عند سماع الصافرة، قبل أن تلتقط كاميرا البث التلفزيوني جلبة في المقصورة، وهنا عرف العالم بـ فهد الأحمد الجابر الصباح.

مرتديًا الزي الرسمي الكويتي، أشار فهد الأحمد إلى الجهاز الفني الكويتي بعدم استئناف اللعب والانتظار لحين هبوطه إلى أرض الملعب.

وفي ثقة يُحسَد عليها، وطأ فهد الأحمد عشب ملعب بلد الوليد، دون أن يجرأ أي فرض من الشرطة الإسبانية على منعه.

شقيق أمير الكويت بدأ في استدعاء لاعبيه للانسحاب من المباراة، واضعًا ضغطًا هائلًا على الحكم السوفيتي.

كان فهد حاسمًا في موقفه، حازمًا في نظراته، حادًا في نبرته، وجعلها أطول 6 دقائق في مسيرة الحكم ستوبار.

بعد مناوشات وشد وجذب وتوتر طال ميشيل هيدالجو المدير الفني لمنتخب فرنسا الذي حاولت الشرطة إبعاده عن الملعب، نفس الشرطة التي أقامت ممرًا شرفيًا لـ فهد الأحمد؛ أصدر ستوبار قراره:

إلغاء الهدف، واستئناف اللعب بإسقاط، ليجن جنون الفرنسيين، الذين ربما لولا تقدمهم بفارق هدفين بالفعل لرفضوا بدورهم إكمال المباراة.

أمام ذهول الجميع، وبعد أن حقق مراده، وهو رجل اعتاد على تحقيق مراده، عاد فهد الأحمد إلى المقصورة الرئيسية مظفرًا منتصرًا.

لكنه بمجرد أن اتكأ على مقعده، سجّل ماكسيم بوسي مدافع فرنسا هدف الديوك الرابع، وكأن شيئًا لم يكن.

في اليوم التالي للمباراة، أصدر الاتحاد الدولي “فيفا” بيانًا حادًا، شجب فيه تصرف البعثة الكويتية، وغرّم الاتحاد الكويتي 25 ألف فرانك سويسري.

تم اعتماد نتيجة المباراة التي انتهت عليها (4-1)، لكن تم استبعاد الحكم ستوبار من البطولة وعدم إسناد أي مباريات أخرى له، ولم يظهر في أي بطولة كبرى مجددًا.

يتذكّر ستوبار كواليس واقعته مع فهد الأحمد بعد سنوات ويقول:

“أخبروني أن مباراة فرنسا والكويت لن تكون سهلة، لم أفهم وقتها ما يمكن أن يحدث”.

“ليلة المباراة ذهت للنوم كما العادة، وفجأة استيقظت في منتصف الليل على كابوس، حلمت بمرآة مغطاة بحجاب أسود، وعندها كنت مقتنعًا أن شيئًا سيئًا سيحدث في المباراة، أحيانًا تتحقق الأحلام”.

“ما حدث أن الشيخ سحب فريقه من الملعب، لقد دفنوني”.

“النتيجة كانت 3-1، وعندها أُطلِقَت صافرة من المدرج، نظر مدافع الكويت نحوي، لكني قلت له: “العب، العب”، وعندها سجلت فرنسا واحتسبت الهدف”.

“بالنسبة لنا، الحكام السوفييت، الانسحاب من مباراة كان يعني نهاية العالم، حضرنا مواقفًا مشابهة في دورينا، وكانت عقوبات قاسية توقع علينا بعد مثل هذه اللقطات. رأيت نية الشيخ حقًا في الانسحاب من المباراة، وعندما نظرت إلى مساعديّ، وجدتهما في حيرة من أمرهما”.

“فكرت مجددًا إن كانت الصافرة قد أثرت على اللعب”.

“الكثير من المحللين التحكيميين ساندوا قراري. الحكم الألماني فالتر إشفايلر قال: “لو كنت مكانه لأخذت الكرة تحت إبطي وغادرت الملعب”. لكن ما حدث أنني امتلكت وقتًا قليلًا لاتخاذ القرار وكان كل شيء يُبَث على الهواء، أخبروني أنني في حاجة إلى اتخاذ قرار فورًا، ولكن كيف يمكن أن أقرر بشكل سليم مع هذه القوة القاهرة؟”.

“وقتها لم يمتلك الحكام مراجع لمثل هذه الحالات كما هو الوضع الآن، كنا نمتلك كتيبًا صغيرًا فقط للتعليمات”.

“كنت أرى أنه حال انسحاب أحد الفريقين، فإني من سيوُقَع عليه العقوبات، ولهذا حاولت استكمال المباراة، خصوصًا مع تبقي دقائق قليلة معدودة، وعندها حسمت قراري وأخبرت قائدي الفريقين به”.

وينفي ستوبار ما قيل عن استبعاده من البطولة ومغادرته إسبانيا بعد المباراة:

“لم يرسلني أحد إلى منزلي، كنت حاضرًا حتى نهائي كأس العالم، كما أنني قدت المباريات الدولية حتى عام 1990”.

“ربما لولا تلك اللقطة، لما تذكّر أحد أنني حكّمت في كأس العالم”.

“لم أخطئ، بعد 24 عامًا أصدر الاتحاد الدولي مرجعًا للتعامل مع حالات الصافرات التي تصدر من المدرجات، وطُلب فيه من الحكام إيقاف اللعب واستئنافه بإسقاط، هذا تحديدًا ما فعلته، في النهاية تبين أن قراري كان صحيحًا، لكن براءتي صدرت بعد 24 عامًا”.

يُقال إن عدم إجادة ستوبار للإنجليزية بطلاقة خلّف مشاكل في التواصل ووضع عليه ضغطًا إضافيًا، إذ كان محاطًا بعدد كبير من الأشخاص في نفس الوقت دون أن يكون قادرًا على فهمهم بشكل مثالي.

استمرت مسيرة ستوبار مع التحكيم حتى عام 1991، وأدار إجمالًا 147 مباراة كحكم ساحة في الدوري الروسي.

في المقابل، خسرت الكويت آخر مباراة لها أمام إنجلترا بهدف دون رد، ولم تعد للظهور مجددًا في كأس العالم.

فهد الأحمد من جانبه لم يكتف بإلغاء هدف الفرنسيين يومها، بل جنّد أسطورتهم.

النجم ميشيل بلاتيني اعتزل كرة القدم عام 1987، لكنه عاد من الاعتزال لمدة يوم واحد في العام التالي ليلعب بقميص منتخب الكويت مباراة ودية أمام الاتحاد السوفيتي.

المباراة التي أشرف على تنظيمها فهد الأحمد، عرفت ظهور بلاتيني بقميص الكويت في واحدة من آخر إنجازات فهد الأحمد الرياضية.

السقوط أمام قصر دسمان

في 2 أغسطس 1990، صعق صدام حسين العالم، وأمر القوات المسلحة العراقية بغزو الكويت.

هاجم الحرس الجمهوري العراقي -الأفضل تدريبًا والأعلى تسليحًا في القوات العراقية- المناطق الحيوية في الكويت بالساعات الأولى من ذلك اليوم.

وعندما علم فهد الأحمد باستهداف قصر دسمان مقر القيادة السياسية الكويتية، استقل سيارته مسرعًا إلى هناك، لكنه قُتل برصاصة في الرقبة أطلقها قناص عراقي أمام بوابة القصر.

استمرت معركة دسمان 3 ساعات تقريبًا بين الحرس الأميري والحرس الجمهوري، واستطاع الكويتيون إخراج جثمان فهد الأحمد من سيارته ودفنه تحت اسم مستعار (عبد الله المصري) لكي لا يستدل إليه العراقيون.

في السعودية، استقرت حكومة الكويت من المنفى طوال 7 أشهر، إلى أن قادت الولايات المتحدة عملية عاصفة الصحراء لتحرير الكويت في فبراير 1991.

عادت الكويت إلى قبضة آل صباح، المباني دُمرت، والسماء حُجبَت، وفهد الأحمد مفارقًا للحياة عن 44 عامًا.

وبعد 40 عامًا على تلك الأمسية الحارة في بلد الوليد، لا يزال مصدر تلك الصافرة مجهولًا، لعل صاحبها يجلس الآن في منزله محتفظًا بالسر الدفين، قابضًا على اللغز العجيب الذي لن ننجح أبدًا في حله.

كل ما نعرفه حقًا، أنها لم تكن صافرة ستوبار، وأن فهد الأحمد هو الرجل الوحيد على مر التاريخ الذي أجبر حكمًا على تغيير قراره في نهائيات كأس العالم.

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً